ساسي سالم الحاج

38

نقد الخطاب الاستشراقي

والباحث عن الإنجيل الأصلي الذي نزل على السيد المسيح لا يجد له أثرا ، ولم يدّع أحد من الباحثين القدماء منهم والمحدثون أنهم اطلعوا عليه ، والموجود من الأناجيل التي بين أيدينا أربعة كتيبات ، وضعها اثنان من الرسل هما متّى ويوحنا واثنان من التلاميذ هما لوقا ومرقس . . . ولا تخرج هذه الأناجيل عن سيرة المسيح الذاتية ، والمعجزات التي حصلت له ، والآلام التي كابدها ، والأقوال والتعاليم التي فاه بها لأتباعه دون ترتيب زمني ولكن بهدف تعليمي « 1 » . انتشرت الديانة المسيحية عن طريق حواريّي يسوع المسيح الذين تفرقوا شرقا وغربا فنشروا تعاليمه ، وكثر أتباعهم خاصة في الولايات الرومانية الشرقية ، ثم اجتازوا من آسيا الصغرى إلى بلاده اليونان حتى وصلوا روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية . وفي هذا الزمان أصاب المسيحيين الأوائل الاضطهاد والتنكيل ، ولكنهم أحسنوا الصبر ، وبذلوا المهج والأرواح دفاعا عن عقيدتهم ، كما أن المفكرين الأوائل منهم أظهروا استعدادا قويّا لاستيعاب أهم مقومات التراث الروماني اليوناني ، مستعينين بسلاح العقل والفلسفة والمنطق ، لإخراج عقائدهم ومفاهيمهم لمعاصريهم في إطار قوي من الفكر المدعم والقول المتين المفحم « 2 » . واستمر الاضطهاد الوثني للمسيحيين حتى أوقفه الإمبراطور قسطنطين لأسباب سياسية كان أهمها محاولة رأب صرح الدولة المتصدع من جهة وقوة الحجة والإقناع التي تحلّى بها المفكرون المسيحيون من جهة ثانية ، والتضحية والفداء التي ضربها الشهداء الأوائل من جهة ثالثة . وهكذا انتشرت الديانة المسيحية في أرجاء الإمبراطورية الرومانية ووجدت سبيلها إلى الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام عن طريق الرهبان والتجار متخذة سلاح التبشير كأداة صالحة لنشر مبادئها ومعتقداتها . ونحن لا نؤرخ هنا للكيفية التي دخلت بها المسيحية هذه الأصقاع ، ولا الزمن الذي حصل فيه هذا التدخل ، وإنما الذي يهمنا في هذا السياق أنه بفضل ما كان لكثير من المبشرين من علم وطب ووسائل الإقناع تمكنوا من استمالة العديد من رؤساء القبائل العربية الذين استقبلوهم وهيئوا لهم الوسائل لنشر

--> ( 1 ) د . ساسي سالم الحاج ، شريعة المجتمع بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي ، ط 1 ، 1987 م ، ص 41 . ( 2 ) سامي اليافي ، الحضارة الإنسانية بين الشرق والغرب ، القاهرة ، مطبعة العالم العربي ، ص 48 ، بدون تاريخ .